عبد الرحمن بن ناصر السعدي

608

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

وجعل بين البحرين حاجزا أإل ه مع الله بل أكثرهم لا يعلمون ) * أي : هل الأصنام والأوثان ، الناقصة من كل وجه ، التي لا فعل منها ولا رزق ولا نفع ، خير ؟ أم الله الذي * ( جعل الأرض قرارا ) * يستقر عليها العباد ويتمكنون من السكنى ، والحرث ، والبناء ، والذهاب ، والإياب . * ( وجعل خلالها أنهارا ) * أي : جعل في خلال الأرض ، أنهارا ينتفع بها العباد ، في زروعهم وأشجارهم ، وشربهم ، وشرب مواشيهم . * ( وجعل لها رواسي ) * أي : جبالا ترسيها وتثبتها ، لئلا تميد ، وتكون أوتادا لها ، لئلا تضطرب . * ( وجعل بين البحرين ) * البحر المالح والبحر العذب * ( حاجزا ) * يمنع من اختلاطهما ، فتفوت المنفعة المقصودة من كل منهما ، بل جعل بينهما حاجزا من الأرض . جعل مجري الأنهار في الأرض مبعدة عن البحار ، فتحصل منها مقاصدها ومصالحها . * ( أإله مع الله ) * فعل ذلك ، حتى يعدل به الله ويشرك به معه . * ( بل أكثرهم لا يعلمون ) * فيشركون بالله ، تقليدا لرؤسائهم وإلا فلوا علموا حق العلم ، لم يشركوا به شيئا . * ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم حلفآء الأرض أإل ه مع الله قليلا ما تذكرون ) * أي : هل يجيب المضطرب ، الذي أقلقته الكروب ، وتعسر عليه المطلوب ، واضطر للخلاص ، مما هو فيه ، إلا الله وحده ؟ . ومن يكشف السوء ، أي : البلاء ، والشر ، والنقمة ، إلا الله وحده ؟ ومن يجعلكم خلفاء الأرض ، يمكنكم منها ، ويمد لكم بالرزق ، ويوصل إليكم نعمه ، وتكونون خلفاء من قبلكم كما أنه سيميتكم ، ويأتي بقوم بعدكم ، أإله مع الله ، يفعل هذه الأفعال ؟ لا أحد يفعل مع الله شيئا من ذلك ، حتى بإقراركم أيها المشركون ، ولهذا كانوا إذا مسهم الضر ، دعوا الله مخلصين له الدين لعلمهم أنه وحده ، المقتدر على دفعه وإزالته . * ( قليلا ما تذكرون ) * أي : قليل تذكركم وتدبركم للأمور ، التي إذا تذكرتموها ، ادكرتم ، ورجعتم إلى الهدى . ولكن الغفلة والإعراض ، شامل لكم ، فلذلك ما أرعويتم ، ولا اهتديتم . * ( أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته أإل ه مع الله تعالى الله عما يشركون ) * أي : من هو الذي يهديكم ، حين تكونون في ظلمات البر والبحر ، حيث لا دليل ، ولا معلم يرى ، ولا وسيلة إلى النجاة إلا هدايته لكم ، وتيسيره الطريق ، وجعل ما جعل لكم من الأسباب ، التي تهتدون بها . * ( ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ) * أي : بين يدي المطر ، فيرسلها ، فتثير السحاب ، ثم تؤلفه ، ثم تجمعه ، ثم تلقحه ، ثم تدره ، فيستبشر بذلك العباد ، قبل نزول المطر . * ( أإله مع الله ) * فعل ذلك ؟ أم هو وحده ، الذي انفرد به ؟ فلم أشركتم معه غيره ، وعبدتم سواه ؟ * ( تعالى الله عما يشركون ) * تعاظم ، وتنزه وتقدس عن شركهم ، وتسويتهم به غيره . * ( أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإل ه مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) * أي : من هو الذي يبدأ الخلق ، وينشىء المخلوقات ، ويبتدي خلقها ، ثم يعيد الخلق يوم البعث والنشور ؟ ومن يرزقكم من السماء والأرض ، بالمطر والنبات ؟ * ( أإله مع الله ) * يفعل ذلك ، ويقدر عليه ؟ * ( قل هاتوا برهانكم ) * أي : حجتكم ودليلكم على ما قلتم * ( إن كنتم صادقين ) * وإلا ، فبتقدير أنكم تقولون : إن الأصنام لها مشاركة له ، في شيء من ذلك ، فذلك مجرد دعوى ، صدقتموها بلا برهان ، وإلا ، فاعرفوا أنكم مبطلون ، لا حجة لكم . فارجعوا إلى الأدلة اليقينية والبراهين القطعية الدالة على أن الله ، هو المتفرد بجميع التصرفات وأنه المستحق أن يصرف له جميع أنواع العبادات . * ( قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون * بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون * وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآبآؤنآ أإنا لمخرجون * لقد وعدنا ه ذا نحن وآبآؤنا من قبل إن ه ذآ إلا أساطير الأولين * قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ) * يخبر تعالى أنه المنفرد بعلم غيب السماوات والأرض ، كقوله تعالى : * ( وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ، ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) * وكقوله : * ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ) * إلى آخر السورة . فهذه الغيوب ونحوها ، اختص الله بعلمها ، فلم يعلمها ملك مقرب ، ولا نبي مرسل . وإذا كان هو المنفرد بعلم ذلك ، المحيط علمه بالسرائر ، والبواطن ، والخفايا ، فهو الذي لا تنبغي العبادة إلا له ، ثم أخبر تعالى عن ضعف علم المكذبين بالآخرة ، منتقلا من شيء إلى ما هو أبلغ منه فقال : * ( وما يشعرون ) * أي : وما يدرون * ( أيان يبعثون ) * أي : متى البعث والنشور ، والقيام من القبور ، أي : فلذلك لم يستعدوا . * ( بل ادارك علمهم في الآخرة ) * أي : بل ضعف ، ولم يكن يقينا ، ولا علما واصلا إلى القلب ، وهذا أقل ، وأدنى درجة للعلم ، ضعفه ووهاؤه ، بل ليس عندهم علم قوي ، ولا ضعيف ، وإنما * ( هم في شك منها ) * أي : من الآخرة ، والشك زال به العلم ، لأن العلم بجميع مراتبه ، لا يجامع الشك . * ( بل هم منها ) * أي : من الآخرة * ( عمون ) * قد عميت عنها بصائرهم . ولم يكن في قلوبهم علم من وقوعها ، ولا احتمال ، بل أنكروها واستبعدوها . ولهذا قال : * ( وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أإننا لمخرجون ) * أي : هذا بعيد ، غير ممكن ، قاسوا قدرة كامل القدرة ، بقدرتهم الضعيفة . * ( لقد وعدنا هذا ) * أي : البعث * ( نحن وآباؤنا من قبل ) * أي :